الرقمنة في زمن جائحة كورونا

أدى انتشار فيروس كورونا المستجد في جل دول العالم إلى زعزعة أمنها الداخلي وتهديد الاقتصاد العالمي ومختلف القطاعات الحيوية في الدول، ويعد المغرب من بين الدول التي أصابها فيروس كورونا المستجد عن طريق بعض الحالات الوافدة من أوروبا، الأمر الذي فرض على المغرب اتخاذ مجموعة من التدابير الوقائية والاحترازية تجنبا لانتشار وتفشي الوباء بين الأشخاص، منها إغلاق المغرب لحدوده البحرية والجوية والبرية وإغلاق المدارس والجامعات وتجميد مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية حفاظا على سلامة المواطنين المغاربة.

وبسبب إجراء تفعيل التباعد الاجتماعي والحد من الاجتماعات المباشرة، صار أمراً لا غنى عنه وضرورة قصوى- لنجاعته وفعاليته-، ليجد العالم ومن ضمنه المغرب نفسه أمام ضرورة الاعتماد على الرقمنة من أجل ضمان استمرارية بعض القطاعات ولو عن بعد، من بينها المؤسسات التعليمية وكذا كل المؤسسات الإنتاجية.

تعتمد حياتنا العادية بالأساس على نظام الاتصال والتواصل، الذي يرتكز على اللقاءات والاجتماعات المباشرة، ويستحوذ هذا النظام المباشر على جميع الأنشطة، الاجتماعية منها والمؤسساتية، سواء في التعليم والإدارات العمومية أو في أنشطة الأحزاب والنقابات والمنظمات المدنية، وغيرها. غير أن الوضعية الناتجة عن الطوارئ الصحية وتقييد الحركة، بسبب أزمة فيروس كورونا المستجد، زلزلت ذلك النظام، ووضعت مختلف الفاعلين في بيئة مهددة، حيث فرضت هذه الوضعية الجديدة نفسها على العديد من المؤسسات والهيئات والمقاولات والمدارس والجامعات، التي اضطرت إلى اللجوء لاعتماد الوسائل الرقمية، لضمان استمرار أنشطتها عن بعد.

حيث أظهر فيروس كورونا الحاجة الملحة إلى اعتماد الرقمنة في تقديم خدمات لمواطنين قابعين تحت الحجر الصحي، تزيل عنهم تعب التنقل وملل طرق الأبواب والطوابير. هذه الخدمات التي وإن كان بعضها موجودا، لم تستعمل بالكيفية المطلوبة التي يفرضها التطور وتحتمها العصرنة في زمن التحدي التكنولوجي.

والدليل، أن بوابات رقمية كثيرة اعتمدتها مؤسسات وهيئات وطنية ضمن الإدارة الإلكترونية لم تجد التجاوب المنتظر من مواطنين، فضلوا البقاء أسرى الأساليب التقليدية لقضاء حاجياتهم.

لكن تفشي الوباء وما رافقه من تدابير استعجالية، ممثلة في الحجر الصحي والعزل المنزلي والتباعد الاجتماعي، فرض هذا الخيار الحتمي وأدى إلى انتعاش التجارة الإلكترونية والمعاملات والدفع. لأول مرة، يتجاوب المواطنون مع الآلية الإلكترونية واستعمالها بلا تردد ولا مخاوف، ويتقبلون تلقائيا حملات التعبئة والتحسيس بشأن اقتحام هذه البوابات والمنصات التي باتت تتكاثر كالفطريات، ونفاجأ يوميا باختراعات شباب كسروا الحواجز واضعين مهاراتهم وإبداعاتهم تحت التصرف.

وحسب عدد من المتخصصين في المجال الرقمي الأزمة الصحية  » كوفيد 19″ دفعت المغرب إلى إعادة النظر في الأنماط العادية للشغل والتحول نحو العمل عن بُعد، والطب عن بُعد، والإدارة الرقمية، للحد من وتيرة تنقل المواطنين.

فبعد قرار إغلاق جميع المدارس والمعاهد والكليات، حرص المغرب على ضمان استمرار التعليم عن بُعد، الأمر الذي شجعته الوزارة الوصية بدعوة هيئة التدريس إلى الانخراط في تسجيل دروس على الإنترنت.

وقد بادر عدد من الأساتذة من مختلف المستويات التعليمية إلى مشاركة حصص دراسية مسجلة على موقع « يوتيوب » لإتاحتها للتلاميذ والطلبة، لكن رغم ذلك يبقى الالتزام ومتابعة الدروس أكبر تحد يواجه التعليم عن بعد.

تؤكد الأرقام المعلنة أهمية هذه التكنولوجيا في الحد من خسائر توقف الدراسة، رغم ما يمكن تسجيله من ملاحظات كثيرة، مشيرا إلى أنه مند إحداث البوابة الإلكترونية « TelmidTICE » لتنزيل عملية التعليم عن بعد، بلغ معدل المستعملين لهذه المنصة ما يفوق 600 ألف مستعمل(ة) يوميا.

ويبقى التعليم عن بُعد من الحلول التي يتوجب على المغرب إيلاءها الاهتمام اللازم واعتمادها سواء خلال الأوقات الاستثنائية، مثل ما يحدث حاليا مع أزمة كورونا، أو في الوضع الطبيعي العادي، إلى جانب التعليم الحضوري. ورغم أن الحكم على تجربة التعليم عن بُعد أمر صعب للغاية في ظل عدم وجود مؤشرات إحصائية، إلا أن اعتمادها من قبل وزارة التربية الوطنية سيمكن من بناء تجارب عليها تكون ناجحة في المستقبل.

بالإضافة إلى التعليم، تجلت الرقمنة أيضاً في قطاع الصحة. وإذا كان التطبيب عن بُعد لم يطبق بَعد في المغرب رغم وجود قانون خاص بذلك، فإن المعلومات الصحية المنشورة على الإنترنت ارتفعت وتيرتها بشكل كبير، وهو ما أدى إلى ترويج المعطيات الصحيحة، وبالتالي تحقيق التوعية والتحسيس لدى المواطن. كما لجأ عدد من الأطباء إلى إطلاق حصص أسئلة وأجوبة مباشرة مع المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي لتبديد المخاوف حول تفشي فيروس كورونا المستجد وكيفية التعامل مع الحالات المشتبه فيها في حالة ظهور الأعراض، فيما بادرت مصحات إلى إجراء تشخيص مباشر عن بُعد للذين يعانون أمراضاً خفيفة لتفادي التنقل خارج المنازل.

ودفعت الأزمة الصحية التي تمر منها البلاد، على غرار بلدان المعمور، الحكومة أيضاً إلى الاشتغال رقمياً، وكان ذلك جلياً من خلال لجوء عدد من القطاعات الحكومية إلى رفع مستوى هذا التعامل من قبيل الجمارك، ومسطرة المشاركة في الطلبات العمومية، والتصريح بالتوقف عن العمل مؤقتاً لدى الضمان الاجتماعي. وعلى مستوى المؤسسة البرلمانية، تم نقل أشغال الجلسات العامة واللجن أيضا عبر تقنية البث المباشر بمواقع التواصل الاجتماعي، مضيفا أن الأمر  امتد أيضا، للهيئات المدنية والسياسية، حيث تم تعويض التأطير المباشر بالتواصل عن بعد عن طريق استخدام تقنية البث المباشر، وعقد الاجتماعات بتقنية Audio/Vidéo Conférence   التي تتيحها عدد من التطبيقات.  مثل زوومZoom و مكرسوفت تيمزMicrosoft Teams.

جدير بالذكر أن لدى المغرب برنامجا يحمل اسم « الحكومة الإلكترونية »، يندرج ضمن استراتيجية « المغرب الرقمي » الذي اعتمدت سنة 2013، لكن تطبيقه على أرض الواقع لم يعرف النجاح الكبير بفعل استمرار عدد من الخدمات المعتمدة على الورق والحضور الجسدي للمرتفقين. وفي هذا الإطار، أظهرت جائحة كورونا الأهمية الملحة للتكنولوجيات الرقمية للإدارة والاقتصاد والمجتمع، وأن المغرب كان على استعداد تام للمضّي قدماً في هذا الطريق، وما كان ينقص فقط هو الالتفات للأهمية البالغة لهذا المجال والعمل على تسريع وتيرة التحول الرقمي في كل مجال الخدمات وتلبية حاجيات المواطنين الإدارية والتربوية والمجتمعية وحتى الاقتصادية ».

ولم تفرض جائحة كورونا على الحكومة فقط أن تتكيف مع وضع الحجر الصحي للمواطنين، بل حتى معظم الشركات اعتمدت العمل عن بُعد وإن لم تكن لديها أي استراتيجية بهذا الخصوص، ما يعني أنها كانت مضطرة فقط لاعتماد هذا النمط من العمل لضمان الاستمرارية ما أمكن.

إذا تأملنا في بعض الأرقام المتعلقة بحصيلة التعامل عبر الانترنيت ومن خلال تكنولوجيا الاتصال عن بعد، نجد أن أغلب الإدارات والمؤسسات استطاعت تدبير أمورها بشكل حيوي عن بعد، ودون حاجة إلى عقد اجتماعات مباشرة مكلفة وقتا وجهدا ومالا ».

إن الإمكانات التي تُوفّرها تكنولوجيا الاتصال عن بعد، والفرص التي تعطيها للمواطنين وللدولة، « هائلة جدا »، خاصة وأن العائد الاقتصادي والمالي لهذه التكنولوجيا، من شأنه المساهمة بشكل مقدر في تحسين الأداء وترشيد الإنفاق العمومي.    وعليه الاعتماد على الرقمنة والاستثمار في كل ما يتعلق بأنشطتها وخدماتها خلال فترة أزمة كورونا، يعد أرضية خصبة لما بعد الجائحة، من أجل اعتماد التحول الرقمي على صعيد المؤسسات والهيئات والأفراد وجعل العالم الرقمي أساساً في كل الخطوات. للرقمنة انعكاسات ومزايا مهمة، من قبيل سهولة ونجاعة التواصل حيث يمكن للمرء أن يحضر اجتماعاته المبرمجة من بيته دون تكلف عناء التنقل إلى مقر الاجتماع، فضلا عن اختصار للتكلفة والجهد وتوفير للوقت، حيث يمكن للشخص قضاء أغراضه الإدارية وهو جالس ببيته أو بمقر عمله دون تكبد التكاليف المادية والمعنوية من أجل التنقل إلى مقر الإدارات. ومن ضمن هذه المزايا، انخفاض التکلفة التشغیلیة لمؤسسات المعلومات الرقمیة، مقارنة مع مؤسسات المعلومات التقلیدیة، ومواکبة التطورات الحاصلة في مجال حفظ المعلومات وتنظیمها واسترجاعها وبثها، إلى جانب حل مشکلة الحیز المکاني داخل مؤسسات المعلومات، خصوصا مع تضخم وتنوع مصادر المعلومات، وکثرة الباحثین وإنتاجهم العلمي، وهو یساعد في تقدیم معلومات وخدمات ذات جودة عالیة للمستفیدین.


السيدة فاطمة الوردي، حاصلة على دبلوم الدراسات العليا من جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي- الرباط. و على دبلوم في الإدارة والتسيير من المعهد التقني للإدارة و التسيير.

 مع أكثر من10 سنوات من الخبرة في المجال القانوني و مجال حقوق الإنسان على  المستوى الوطني و الدولي, فاطمة الوردي مكلفة بمحتوى اللغة العربية بمعهد أماديوس و مكلفة بمهام.