بناء مغرب ما بعد “كورونا”…….؟

أيام عصيبة وغير مسبوقة هي هذه التي يمر بها العالم منذ حلول سنة 2020، أمام تفشي فيروس كورونا المستجد. تعمل الإنسانية جاهدة و تعبئ كل الطاقات والإمكانيات الفكرية والعلمية والطبية والعسكرية والمالية والتدبيرية… وغيرها وتسخر كل الوسائل البشرية التي تتوفر عليها لمواجهة هذه الجائحة، وهزم هذا الوباء الخطير والفتاك والحد من انتشاره ومحاصرة آثاره الكارثية في كل المجالات.

وبكل تأكيد، فإن ما عشناه في الأسابيع الماضية وما سنعيشه في الأيام المقبلة سيظل سابقة كونية لم يشهد مثلها التاريخ لكثير من الاعتبارات التي يدركها الجميع. ومما لا جدال فيه أن هذه التجربة الإنسانية الفريدة التي نعيشها ستحدث انقلابات إستراتيجية عميقة ستطبع عالم الغذ، سواء على صعيد صياغة التوازنات أو بلورة هندسة جديدة للعلاقات الدولية ومراكز النفوذ الجديدة.

لا يمكن استساغة أن العالم سيظل كما هو اليوم بعد كل المآسي والفواجع التي عانت منها كل الشعوب نتيجة العجز البين أمام هذه الجائحة. إن حياتنا وأفكارنا ودواخلنا وطموحاتنا ستنقسم قطعا إلى مرحلة ما قبل الكورونا وما بعدها. إننا نقف، من الناحية التاريخية، عند نقطة تحول مصيرية هامة. إننا نقف على أعتاب منحنى حاد في نهاية خط مستقيم طويل. قد يكون من الصعب صياغة تنبؤات صائبة المعالم ثاقبة الحيثيات والتفاصيل بنسبة مائة بالمائة خاصة أننا لسنا أمام حالة علمية دقيقة أو حالة خضعت للسيطرة الكاملة بشكل قبلي. حتى وإن تجاوز المغرب المرحلة بسلام، سيقدم الفيروس التاجي صفحة فارغة لبداية جديدة.

لقد أبان المغرب عن حنكة قوية في مواجهة جائحة “كورونا” ، كل الخطوات الإستباقية التي اتخذتها الدولة كان هدفها حماية الإنسان لا دوران المال والاقتصاد، إنه نموذج فريد في التدبير حاز على إجماع أفراد الأمة وقواها الحية وتناغم قوي من طرف كل أفراد الشعب المغربي، هذا ما شهدت به التقارير الدولية وكبار المحللين والفاعلين السياسيين في مختلف المواقع الدولية. من وراء هذه الإجراءات الإستباقية روحا وإبداعا وسهرا دائما؟ إنه الملك محمد السادس الذي أبان خلال إشرافه الشخصي والمباشر واليومي على قيادة مختلف الإستراتيجيات الوطنية لمواجهة هذه الجائحة، على قدرات استثنائية جعلت العالم ينظر إليه بإعجاب وتقدير كزعيم رائد امتلك منذ بداية الأزمة رؤية استباقية وشجاعة سياسية كبيرة وإرادة قوية مكنته من اتخاذ قرارات شجاعة وحاسمة حصنت بلده، ومكنته من مواجهة هذا الوباء بثقة في النفس وبخطوات جعلته يتحول إلى نموذج ناجح يؤسس لتجربة مميزة في مواجهة الأزمات.

ولعل أهم المعالم الكبرى للمعالجة المغربية هو نجاح الملك محمد السادس في رص صفوف الجبهة الداخلية وخلق تعبئة وطنية واجتماعية شاملة، خلقت مناخية جديدة ونفسية اجتماعية رائعة أشركت في ديناميتها العامة كل الطاقات المغربية من كل الفئات ومن كل الأجيال ومن كل الجهات. مغرب جديد أطلقته مبادرات محمد السادس، يشتغل فيه المدني بجانب العسكري والغني بجانب الفقير والعامل رفقة العاطل والكل في نفس تضامني أبهر العالم.

ومما لا جدال فيه أن المغرب اليوم يستعد بشكل حازم و بقوة للدخول في مرحلة ما بعد كورونا ؛ هذه المرحلة التي تستلزم نهج تدابير و إجراءات جريئة تقطع مع كل ممارسات ما قبل كورونا، وتمس في جوهرها تدبير العمل السياسي الذي يتطلب أن يتسم بمزيد من الواقعية و الفعالية في الأداء بغية تحقيق أعلى درجات التنمية المستدامة ،ومنطلقها إنعاش المجال الاقتصادي الذي خرج منهكا من هذه الجائحة .كما طرحت الجائحة إشكالات جديدة مرتبطة بالجانب الاجتماعي، حيث أن مجرياتها أكدت بشكل واقعي أن بلادنا في حاجة ملحة إلى تبني خطة سوسيو- اقتصادية يقوم عماده الأساسي على الإطار التضامني ،و بالتالي يكون صمام الأمان الرادع من متغيرات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تصيب الدولة و النسيج المجتمعي.

فعودة الروح  للاقتصاد الوطني المنهك جراء آثار جائحة فيروس كورونا ، رهينة برد الاعتبار للإنتاج المحلي، من خلال اعتماد مخطط عقلاني براغماتي يستند على مخططات إنعاش قطاعية، تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل قطاع إنتاجي و بنياته .مما يستلزم إطلاق مخطط دعم القطاعات المتضررة، وتعديل قانون المالية من أجل جعل كل الظروف متهيئة لجميع الفرضيات، لأن الأصل في عودة عجلة الاقتصاد إلى الدوران هو تحفيز الطلب المحلي بقوة على الإنتاج الوطني و الديمومة على استئناف العمل تدريجيا بمختلف الوحدات الصناعية الكبرى،المتوسطة و الصغيرة .

المغرب مطالب بتركيز الإنتاج نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي من المواد الأساسية الاستهلاكية ، وتقوية المنتج الوطني المحلي للنهوض بالقطاع الاقتصادي بشكل متين قوي ومستدام. الأمر الذي يخول إغناء مصادر السُوق المَحَلِّي، إبتكار فرص جديدة للتصنيع، تنويع المنتجات الخاصة، ورفع الصادرات في عدد من القطاعات. بالإضافة إلى تفادي جعل الإنتاج الوطني مرتبط و مرهون بوضع السوق الدولي، مع عقلنة اللجوء إلى الواردات، من خلال وقف استيراد الاحتياجات الغير الضرورية التي من شأنها استنزاف احتياطيات العملة الصعبة و إلحاق الضرر بالمنتوج المحلي ، الذي يتعين أن يتمتع بالأولوية في الاستهلاك . وما يحفز على الاستمرار في هذا التوجه ، أن بلادنا توجد ضمن الدول الست الأولى في قائمة الدول العربية من حيث مؤشر الأمن الغذائي، حيث تحتل المرتبة 6 في الوطن العربي لسنة 2019 حسب وحدة المعلومات التابعة لمجلة اكونمويست البريطانية، و يصنف المغرب ضمن الدول الواقعة في المنطقة الخضراء عالميا، وهي الدول التي لا تعرف تهديدات بنقص الغذاء. بفضل الرؤية الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس، و التي كان لها الأثر المستدام في تحصين الدولة من الأزمات و الفترات العصيبة التي تمر منها بلادنا على غرار باقي دول العالم.

كما استطاع المغرب أن يتخذ تدابير وقائية عبر مجموعة من الإجراءات الموازية و الاستباقية لمعالجة جائحة كورونا، جعلته يعرف سيلا من المبادرات التضامنية الواسعة النطاق بغية تحصين الدولة من مخاطر هذا الفيروس المستجد، فالمغرب برهن على حكمة متبصرة من خلال استغلاله لمجمل التجارب الدولية التي سبقت مواجهتها للوباء، و أيضا تدبير عامل الوقت من جهة، والتحول إلى نظم الإدارة الإلكترونية كآلية لتقديم الخدمات عن بعد من جهة أخرى.

جائحة كورونا دافع قوي للانكباب الجاد على معالجة الملفات العالقة، التي ينبغي أن تجعل من المواطن قطب الرحى في السياسات العمومية، تنزيل مقتضيات الدستور وخاصة منها الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسية، تقوية المؤسسة القضائية والارتقاء بأدائها وحماية استقلاليتها. تطوير المجال الرقمي كركيزة أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية، وتقديم الأجوبة الشافية للأسئلة المطروحة بحدة وإيجاد المخارج السليمة من أصعب المآزق، مما يستدعي تعميق النقاش والدراسة في اتجاه إعادة بناء مغرب جديد على أسس متينة وسليمة.

مغرب ما بعد كورونا، سيعرف مجموعة من المتغيرات التي تمس في العمق مواصلة الإصلاح الشامل للقطاعات الأساسية و الاستثمار في العنصر البشري الذي يعد محرك التنمية، فالتفكير في نموذج تنموي يستلزم التركيز على القضايا التي تمس عمق المجتمع، وهي ثلاثية الأبعاد الاجتماعية الصحة التعليم و الأمن بمفهومه الواسع، تهيئ الوسائل الجديرة بتحقيق معدل تنمية يضمن تكافؤ الفرص وتكريس قيم التضامن في المجتمع، تفعيل دور الجهوية المتقدمة في تحقيق العدالة المجالية وتوفير آليات خلق الثروة والسهر على توزيع عادل لثمار التنمية بين جميع الجهات، للحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتقليص معدلات الفقر والأمية والبطالة والتهميش. نموذج تنموي يكون بإمكانه تجسيد آمال وأحلام المغاربة، يضع في صلب اهتماماته قضايا الشباب وطبقة وسطى مواطنة، ترسيخ أسس الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ويرفع المواطن إلى درجة العيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية…

ولهذا تقتضي الضرورة أن تعمل اللجنة الاستشارية المكلفة بإعداد تصور متكامل لنموذج تنموي يستجيب لإنتظارات الشعب، على استغلال الفرصة في استخلاص العبرة انطلاقا مما طفا على السطح من معطيات ومطبات، خاصة ما يرتبط منها بملف الصحة وما يشوبه من نقائص على مستوى الخصاص المهول في الأطر الطبية وضعف البنية التحتية من مؤسسات استشفائية وتجهيزات لوجيستية. وما يتطلبه ملف التعليم من معالجة دقيقة لتجويد خدماته وربطه بسوق الشغل، سيما أن تردي أوضاعه يرهن مستقبل الأجيال الصاعدة، كما تشهد بذلك التقارير الدولية حول تدني مؤشر التنمية البشرية، وما يترتب عن ذلك من ثقل الفاتورة السياسية والثقافية والاجتماعية…

إن بلادنا أحوج ما تكون اليوم إلى إعادة ترتيب الأولويات وإيلاء الأهمية للقطاعات الاجتماعية، بما يتطلب ذلك من مسؤولية وواقعية، ولن يتأتى ذلك إلا بإعطاء الحياة السياسية نفسا جديدا يخرجها من رتابتها، ووجود كفاءات تأخذ على عاتقها مسألة التكفل بابتكار أنجع الحلول لمعضلات الصحة والتعليم والبطالة والأمن الغذائي، دون إغفال إشراك المواطنين في التنمية، ومد الجسور بينهم والمؤسسات وإعادة الثقة فيما بينهما…

إن ما بعد كورونا يجب أن يدفع نخبنا إلى التفكير الجماعي لما يجب أن يكون عليه المغرب غدا: دولة قوية باحترام القانون وحقوق الإنسان، دولة جادة في معالجة العجز الاجتماعي ومحاربة الفقر وكل أشكال الفساد، وآلة حريصة على دعم جبهتنا الداخلية وتلاحم مجتمعنا في مشروع جماعي يستهدف كرامة الإنسان ونهضة البلاد ومناعة الاقتصاد الوطني وتساوي الجميع في الحقوق والواجبات في ظل دولة الحق والقانون.

من ملامح مغرب ما بعد “كورونا” أن هناك تلاحم اجتماعي وثقة في فعالية تدبير الدولة وجل مؤسساتها لمحاربة وباء “كورونا”، وهناك قيادة مركزية متمثلة في ملك غيور على مصالح شعبه، يبتكر الحلول والقرارات ويسهر على تتبع سير تنفيذها، وهناك أمة مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له باقي الأعضاء بالسهر والحمى. و لهذا جميعنا نستبشر خيرا بالوجه الذي سيكون عليه مغرب ما بعد “كورونا”.


السيدة فاطمة الوردي، حاصلة على دبلوم الدراسات العليا من جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي- الرباط. و على دبلوم في الإدارة والتسيير من المعهد التقني للإدارة و التسيير.

 مع أكثر من10 سنوات من الخبرة في المجال القانوني و مجال حقوق الإنسان على  المستوى الوطني و الدولي, فاطمة الوردي مكلفة بمحتوى اللغة العربية بمعهد أماديوس و مكلفة بمهام.