تأثير جائحة كورونا على البيئة و المناخ

أثرت جائحة فيروس كورونا على البيئة والمناخ بشكل ملموس في جوانب عدة؛ فأدى التقلص الحاد في سفر وتنقل الأفراد والنشاطات الاجتماعية والتجارية إلى انخفاض مستوى تلوث الهواء في العديد من المناطق .أسفرت عمليات الإغلاق وإجراءات أخرى عن انخفاض بنسبة 25 في المائة من انبعاثات الكربون ، والتي قدر أحد علماء أنظمة الأرض أنها ربما قد أنقذت ما لا يقل عن 77000 كائن حي على مدى شهرين. وعلى الرغم من ذلك ، فإن التفشي عرقل جهود دبلوماسية بيئية ، بما في ذلك التسبب في تأجيل مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي لعام 2020 ،  ومن المتوقع أن تؤدي التداعيات الاقتصادية منه إلى إبطاء الاستثمار في تكنولوجيات الطاقة الخضراء.

 

تزايدت حدة التغيرات المناخية في العالم وبرزت آثارها السلبية بشكل واضح في مختلف المنظومات البيئية، وذلك من خلال التقلبات المناخية ودورات الجفاف المتكررة والفيضانات المفاجئة وغيرها. وقد رأينا كيف أن المنتظم الدولي بمختلف أجهزته ومؤسساته المحدثة، سعى من خلال المؤتمرات واللقاءات الدولية التي عقدها منذ مؤتمر ستوكهولم 1972 إلى حشد الدعم لمناصرة قضايا البيئية من طرف كافة الفاعلين وطنيا وإقليميا وعالميا، إضافة إلى وضع خطط وبرامج عملية تساعد الدول على بلورة مشاريعها الإنمائية والتربوية وفق مبدأ الاحتراز والتوعية الشاملة لعموم الجمهور.

 

لكن أواخر سنة 2019 ستشكل بداية ظهور جائحة كورنا بدولة الصين لتنتشر تدريجيا في مختلف بقاع العالم، فأصبحت الجائحة تتخذ بعدا عالميا على غرار المشكلات البيئية الراهنة، و بادرت معظم دول العالم بعد انتشار جائحة كورونا إلى فرض مجموعة من القيود على الأنشطة الاقتصادية وحركة النقل البري والبحري والجوي، إضافة إلى إغلاق المؤسسات الصناعية غير الضرورية واعتماد الحجر الصحي للسكان، وكل هذا بهدف الحد من انتشار الوباء وتطويقه، او على الأقل التخفيف من حدة الإصابات بالعدوى والفتك بالأرواح.

 

مما لا جدال فيه، أن بقاء البشر في منازلهم يصب في صالح كوكب الأرض، ما قد يدفع للقول إنه برغم عدم وجود أي فوائد للوباء الحالي، فإن ما ترتب عليه من حظر للتنقلات غير الضرورية وفرض إجراءات إغلاق كامل في بعض دول العالم، جعل بوسعنا رصد التغيرات الإيجابية، التي تطرأ على كوكبنا بفعل غياب سكانه عنه بوجه عام للمرة الأولى على الإطلاق، كما هو الحال الآن.

 

ومن خلال صور الأقمار الاصطناعية التي نشرتها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) ووكالة الفضاء الأوروبية، رُصِدَ تراجع شهدته الصين خلال شهري يناير وفبراير، في انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين، التي تنتج في الغالب عن استخدام الوقود الأحفوري. ونجم ذلك عن التباطؤ الاقتصادي الذي شهده هذا البلد الذي يعتبر أكبر ملوث في العالم ومصدر جائحة كورونا، خلال فترة الحجر الصحي.

 

وتفيد نتائج استخلصها باحثون من مركز « أبحاث الطاقة والهواء النقي »، المتخصص في دراسة التَبِعات الصحية لتلوث الهواء، بأن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، الناجم بدوره عن استخدام الوقود الأحفوري، تراجعت هي الأخرى، بنسبة 25 في المئة بسبب الإجراءات المُتخذة لاحتواء التفشي الوبائي لفيروس كورونا المستجد.

 

ولم يختلف الحال في إيطاليا، إذ كشفت بيانات مُستقاة من صور أقمار اصطناعية مماثلة، عن أن انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين تراجعت أيضا في شمالي البلاد، كما أن القنوات المائية في فينيسيا الإيطالية أصبحت صافية ونظيفة بشكل غير مسبوق، بعدما كانت تعكر صفوها محركات القوارب التي كانت تَجُول بالسياح بين أحياء هذه المدينة، إضافة إلى عودة الأسماك والكائنات البحرية بعد ابتعاد الناس عن الشوارع.

 

وفي الهند، أدى حظر التجول الذي فُرِضَ في مختلف أنحاء البلاد في مارس ، إلى أن يصل مستوى التلوث بسبب ثاني أكسيد النيتروجين إلى أدنى مستوياته خلال فصل الربيع على الإطلاق، وفقا لمركز « أبحاث الطاقة والهواء النقي ».

 

أما في أمريكا الشمالية، وهي إحدى أكثر البقاع التي تشكل مصدرا للتلوث في العالم، فستشهد تطورات مماثلة على الأرجح، بالتزامن مع بدء حالة انكماش اقتصادي واسعة النطاق في مختلف أنحائها.

 

يضاف إلى ذلك، تراجع في انبعاث الغازات الدفيئة المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري خاصة ثاني أوكسيد الكاربون بنسبة 30% لأول مرة منذ ثلاثين سنة. وكذا الانخفاض بشكل كبير في الطلب على النفط والموارد الطبيعية الأخرى، كما أن الآليات الثقيلة في العديد من المواقع توقفت عن سحقها المتواصل للطبيعة أثناء عمل المحاجر والكسارات.  علاوة على أن ملايين السياح توقفوا عن توليد التلوث والإخلال المستمر بالأنظمة الطبيعية في شواطئ البحار والمواقع الأخرى. ولغاية هذه اللحظة، لا توجد بحوزتنا بيانات حول التغيرات في تجارة الحيوانات البرية؛ إلا أنه يمكننا التقدير بأن تقليصا جديا حدث هنا أيضًا، بسبب شلل المطارات التي تعد أحد الطرق المفضلة للمهربين.

 

لكن بالمقابل يرى العديد من الخبراء والمهتمين بالشأن البيئي أن هذه الجائحة ستكون لها آثار سلبية آنيا ومستقبلا، فصحيفة التايمز البريطانية تحدثت عن ثلاث مخاطر محتملة للجائحة منها:

 

–  تعطيل الاستعدادات لمؤتمر جلاسكو المخطط لمتابعة اتفاقية باريس حول التغيرات المناخية، والذي كان منتظرا عقده في شتنبر 2020، وذلك بعد تحويل مكان انعقاده إلى مستشفى ميداني لضحايا كورونا، وهو ما سيضعف الدبلوماسية البيئية.

 

– يتوقع تراجع اهتمام الناس بظاهرة الاحتباس الحراري لصالح مواجهة الجائحة واعتبارها أولوية قصوى. كما أن الجائحة ستحد من قدرة الدول خاصة النامية على تقديم مساهمات محددة وطنيا لتنفيذ بنود اتفاقية باريس ما دام تركيزها ينصب على الجائحة.

 

– أن الرغبة في إعادة إنعاش الاقتصاد العالمي ستتسبب في زيادة إنتاج الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري، وفي هذا الصدد يقول بيتر راسويغارد مدير مكتب نظام الأرض في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية  » إن التحسن البيئي قد يكون عابرا لأن انبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون قد تعود إلى مستوياتها قبل انتشار الوباء، عند احتوائه. » وهذا كان قد حدث بعد الحرب العالمية الثانية والأزمة المالية لسنة 2008.

 

– أن التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا سوف تؤدي إلى إبطاء الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة المتعلقة بالطاقة الخضراء وهو الأمر الذي حذرت منه وكالة الطاقة الدولية.

 

إن ما يحدث حاليا، يجب أن يمنحنا سببا للتفكير مليا في تأثير الأنشطة البشرية – بما في ذلك التنقل والسفر – على طبيعة الوضع على سطح كوكبنا. ورغم أن البيانات التي تكشف التأثيرات التي خلّفها تقليص حركة الطيران على البيئة، لم تُنشر بعد، فإننا ندرك بالفعل أن ذلك أحدث أثرا كبيرا على الأرجح. ولعل بوسعنا هنا، الإشارة إلى نتائج دراسة أُجريت عام 2017 بالشراكة بين مركز دراسات الاستدامة في جامعة لوند السويدية وجامعة بريتيش كولومبيا الكندية ، أفادت بأن بمقدور كل فرد منّا، اتخاذ ثلاثة قرارات ذات طابع شخصي، من شأنها إحداث تقليص سريع في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهي تقليل حركة السفر بالطائرات والسيارات، وكذلك استهلاك اللحوم.

 

وقد أظهرت دراسة نُشِرَت عام 2018، أن ثمانية في المئة من الانبعاثات الغازية في العالم، ناجمة عن النشاط السياحي، وأن لحركة السفر الجوي نصيب الأسد في هذا الشأن.

 

وفي ضوء هذه الإحصائيات المذهلة، والتي يعززها ما نراه من مؤشرات ملحوظة للانعكاسات البيئية الإيجابية لبقاء سكان العالم في منازلهم لدحر خطر وباء كورونا؛ يتعين علينا طرح سؤال مفاده: هل ينبغي علينا العودة إلى التنقل والسفر على الشاكلة التي اعتدناها من قبل، حينما يُسمح لنا بذلك؟. الإجابة واضحة؛ « لا يمكن أن نحظى بمناخ آمن من المخاطر البيئية، إذا عادت صناعة الطيران للعمل على منوالها المعتاد ».

 

على أي حال، لا شك أننا بحاجة إلى إدخال تغييرات كبيرة على الطريقة التي نتنقل بها عبر العالم، إذا كنا نرغب في تحقيق الهدف المنصوص عليه في اتفاق باريس للمناخ، بشأن احتواء ارتفاع درجة حرارة الأرض بحلول عام 2030، بما لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية أكثر من المستوى الذي كانت عليه، في عصر ما قبل الثورة الصناعية. ومن الواجب أن ينبثق جزء من الحلول التي يمكن اتباعها للوصول إلى هذه الغاية، من داخل صناعة الطيران وقطاع النقل نفسيهما.

 

سيتعين علينا – عندما تنتهي الأزمة الحالية – أن نخرج من إطار نظرتنا الضيقة لمصالحنا الشخصية، وأن نتحرك كأفراد من أجل تحقيق صالح كوكب الأرض. فكما أرغمنا الوباء على إبطاء وتيرة حياتنا، ينبغي أن نبحث إمكانية أن نتبنى فيما يتعلق بالسفر والرحلات، نهجا أبطأ ومدروسا بشكل أكبر.وربما يعني ذلك القيام برحلة واحدة طويلة قليلا كل عام، بدلا من خمس أو ست رحلات قصيرة، ما سيؤدي إلى تقليل إجمالي الانبعاثات الغازية الناجمة عن أسفار كل شخص منّا. وتتيح رحلات مثل هذه الفرصة للمرء، لإقامة علاقة أكثر قوة مع البقاع التي يقصدها، بفضل بقائه فيها وقتا يسمح له بفهم سكانها وثقافتها وروعة مناظرها الطبيعية، على نحو ذي مغزى.

 

في ظل الآثار المزدوجة لجائحة كورونا يؤكد الخبراء والمهتمون بالشأن البيئي أن مسألة المحافظة على المكتسبات البيئية الناتجة عن الجائحة مسألة في غاية التعقيد، بالنظر للرهانات والتحديات المطروحة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فأكيد أن الشركات الرأسمالية العملاقة ستضغط من أجل إعادة قطار الاستهلاك إلى سكته الصحيحة، قصد الرفع من وثيرة الإنتاجية وضمان إنعاش المؤسسات الاقتصادية، والحكومات ستجد نفسها أمام معضلات اجتماعية متشعبة، مما سيجعلها تغض الطرف عن كل استنزاف للموارد الطبيعية.

 

من المؤكد أن بناء عالم ما بعد كورونا لن يكون مهمة سهلة، حيث سوف تشتد المنافسة بين تيار الخضر وتيار الصناعيين، فالأول سيدافع عن قناعاته الراسخة بضرورة حماية البيئة، في حين سيدعو الثاني إلى تأجيل تطبيق كل القوانين التنظيمية البيئية الصارمة قصد إصلاح أعطاب الاقتصاد، وبالتالي فالعوائق التي سوف تعترض العمل المناخي ستكون في عصر ما بعد الجائحة أكثر شدة حتى مما كانت عليه من قبل.

 

يتضح بذلك أن التحدي سيكون كبيرا بعد الجائحة سواء بالنسبة لأنصار تيار الخضر الذي يراهن على حماية الرأسمال البيئي، وتيار الصناعيين الذي يعطي الأولوية للرأسمال المادي قصد ضمان حد أدنى من الدخل للرأسمال البشري، وهو ما يؤكد على أن الفجوة ستتعمق أكثر بين من يهتم بنهاية العالم ومن يهتم بنهاية الشهر.

 

بعد الجائحة، لا بد لكل الدول من أن تستخلص دروساً من خلال المحافظة على التوازنات الأيكولوجية والحد من التلوث، لأن الدراسات كشفت أن 70 في المئة من الفيروسات أصلها من الحيوانات الناجمة عن اختلاطها بالإنسان أو اختلال في نمط حياتها. وعلى الرغم من أن مجتمع الباحثين والمتخصصين والحكومات والجمعيات غير الحكومية وبرامج الأمم المتحدة دقوا ويدقون ناقوس الخطر الذي يُهدد كوكبنا من جراء الأنشطة البشرية غير المنتظمة، بيد أن أغلب القرارات والاقتراحات تتغلب عليها الأنانية الاقتصادية.


السيدة فاطمة الوردي، حاصلة على دبلوم الدراسات العليا من جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي- الرباط. و على دبلوم في الإدارة والتسيير من المعهد التقني للإدارة و التسيير.

 مع أكثر من10 سنوات من الخبرة في المجال القانوني و مجال حقوق الإنسان على  المستوى الوطني و الدولي, فاطمة الوردي مكلفة بمحتوى اللغة العربية بمعهد أماديوس و مكلفة بمهام.