جائحة كورونا و العمل البرلماني : أهمية الإصلاح المؤسساتي لتعزيز الترسانة القانونية ببلادنا

تمر بلادنا من ظرفية صعبة ودقيقة، تتمثل في تفشي جائحة كورونا، حيث اتخد المغرب مجموعة من التدابير الاحترازية والوقائية وقام بتفعيل عدد من اللجان، والمخططات بشكل مستعجل، وهو ما تطلب عمل تشريعي تقوم به الحكومة والبرلمان على حد سواء، وذلك لمواجهة تفشي الوباء الذي يجتاح العالم منذ شهور. وعلى غرار جميع المؤسسات الدستورية والسياسية، اعتمد البرلمان بغرفتيه عدد من الإجراءات الاحترازية لمكافحة انتشار الفيروس المذكور، ذلك أن هذه الإجراءات تمت المصادقة عليها خلال اجتماعات مكتبي الغرفتين الأولى والثانية والتي عقدت منذ شهر مارس المنصرم الأغلبية منها بطريقة التناظر أو التواصل عن بعد

 

غير أن الجلسات العامة، واجتماعات اللجان الدائمة، لم يكن من الممكن أن تنعقد عن بعد، وهو ما جعل البرلمان يفكر في إجراءات، تبلورت في الاقتصار على ثلاث أعضاء من كل فريق سياسي بما في ذلك رئيس الفريق، وهو ما طرح أول التساؤلات حول أحقية البرلمانيين في حضور الجلسات والاجتماعات والمشاركة في النقاش العام عبر مختلف أشكاله داخل البرلمان، بل وصل هذا النقاش لطريقة التصويت والتي أثير بشأنها الكثير من الجدل، على الأقل داخل مجلس النواب.

 

في هذا المقال، سنتطرق لتأثير جائحة كورونا على العمل البرلماني وما أظهرته من فراغ مؤسساتي وقانوني يستوجب المعالجة، في إطار تدبير الأزمات مستقبلا، وأهمية الإصلاح المؤسساتي من أجل استكمال الترسانة القانونية للمملكة والإطار التشريعي والتنظيمي.

 

يعتبر البرلمان من أهم المؤسسات الدستورية بالمملكة، فهو قلب التشريع النابض، ومكان النقاش السياسي بين مختلف الفرقاء، فالبرلمان بغرفتيه يتكون من مجموعات، تعتبر امتداد للأحزاب السياسية سواء كانت داخل الأغلبية أو المعارضة، ومن بين الأدوار الأساسية التي يلعبها البرلمان، التشريع، الرقابة، والدبلوماسية الموازية. أدوار هامة في الحياة السياسية المغربية، يمارسها البرلمان بمقتضى الدستور ونظام مجلسيه الداخليين.

 

ينص الفصل 60 من الدستور أن البرلمان يتكون من مجلسين، مجلس النواب ومجلس المستشارين؛ ويستمد أعضاؤه نيابتهم من الأمة، وحقهم في التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه. كما أن المعارضة مكون أساسي في المجلسين، وتشارك في وظيفتي التشريع والمراقبة.

 

كما أن الفصل 70 من الدستور ينص أن البرلمان يمارس السلطة التشريعية ويصوت على القوانين ويراقب عمل الحكومة ويقيم السياسات العمومية. وهي كلها وظائف يناط بها للبرلمان القيام بها عبر أعضا ئه، كما أن الدستور يحدد بصراحة المواد التي يشرع فيها البرلمان.

 

وفضلا عن هذه الأحكام الدستورية، فإن هناك مقتضيات داخل النظام الداخلي للمجلسين التي تفصل سير عمل المؤسسة البرلمانية، ذلك أن النظامين الداخليين لغرفتي البرلمان يصرح وجوبا بمطابقتها للدستور، من طرف القضاء الدستوري، وهذا ما يعتبر احتراما صريحا لتراتبية القوانين أو ما يعرف بهرم Kelsen.

 

وإذا كان البرلمان قد فضل الاستمرار في الاشتغال خلال هذه الفترة الدقيقة التي تمر بها بلادنا، رغم أن الفصل 70 من الدستور يتيح للحكومة التشريع مكان البرلمان من خلال التنصيص على أن للقانون أن يأذن للحكومة أن تتخذ في ظرف من الزمن محدود، ولغاية معينة، بمقتضى مراسيم تدابير يختص القانون عادة باتخاذها، ويجري العمل بهذه المراسيم بمجرد نشرها. غير أنه يجب عرضها على البرلمان بقصد المصادقة، عند انتهاء الأجل الذي حدده قانون الإذن بإصدارها، ويبطل قانون الإذن إذا ما وقع حل مجلسي البرلمان أو أحدهما، بمعنى أنه كان من الممكن أن تقوم الحكومة بالتشريع مكان البرلمان خلال هذه الفترة، غير أن البرلمان اختار القيام بعمله الدستوري، لكن هذا العمل البرلماني أظهر فراغا قانونيا ومؤسساتيا استوجب التفكير في إصلاح عميق لمواجهة الأزمات في المستقبل.

 

أول هذه المشاكل القانونية، حضور البرلمانيين لقاعة الجلسات، فلا الدستور ولا النظام الداخلي للمجلس ينصان على عدم حضور البرلماني وتعويضه بزميله، إلا أن مجلس النواب مثلا أراد العمل بهذه الطريقة وذلك في إطار تدابير اعتبرها احترازية، وبالتالي فإن هذا الفراغ المؤسساتي مطالب بإصلاح عميق، يتطلب معه تعديل للنظام الداخلي للمجلسين، وذلك لمعالجة مسألة حضور البرلمانيين، لاسيما وأن هذه الطريقة أثارت جدلاً واسعا فيما يخص التصويت على القوانين.

 

ومما لا شك في ذلك أن عدم حضور البرلماني لمقر المجلس، لن يمكنه من التصويت على قوانين عرضت على أنظار البرلمان خلال هذه الفترة، وأن احتساب أصوات جميع أعضاء لجنة المالية مثلا، رغم أن الحاضرين لم يتجاوز عشرة أعضاء، يعتبر بمثابة تفويض للتصويت، في حين أن الفصل 60 من الدستور، ينص بصراحة على أن التصويت هو حق شخصي للنائب البرلماني ولا يمكن تفويضه بأي شكل من الأشكال أو حال من الأحوال.

 

غير أن مجلس النواب رأى في هذا « اجتهاد » علما أن هناك قاعدة قانونية فقهية تقول « لا اجتهاد مع وجود النص » والنص هنا صوت عليه المغاربة ودخل حيز التنفيذ قبل حوالي تسع سنوات، كما أن النظام الداخلي يتجه في نفس المقتضى القانوني وهذا ما يطرح ثاني فراغ مؤسساتي وجب معالجته عبر إصلاح هدفه استكمال الترسانة القانونية لبلادنا والعمل على احترام تام للمقتضيات الدستورية.

 

هذا الإصلاح، يكمن في ضرورة تعديل النظام الداخلي على اعتبار أنه ينظم سير الجلسات العامة، وكذا عمل اللجان الدائمة، فالتصويت عن بعد على سبيل المثال، لا ينص عليه القانون، غير أن هذه الطريقة أصبحت ضرورة ملحة، وأن فيروس كورونا أظهر بجلاء وجوب التفكير في طرق مبتكرة تعتمد على التكنولوجيات الحديثة، في حال أراد البرلمان القيام بواجبه التشريعي غير أن هذا الواجب يجب أن يكون مقيدا باحترام جميع المقتضيات الدستورية، لأن الدستور يعد أسمى قانون في البلاد، فضلا عن أن السياسي الفرنسي جورج بيدو يقول أن مصير أمة يعتمد على ثلاثة عوامل : دستورها، الطريقة التي ينفذ بها و مدى الإحترام الذي يبعثها في النفوس، وبالتالي احترام مقتضياته واجب لا مفر منه.

 

كما أن المادة 156 من النظام الداخلي، التي تفسير طريقة التصويت على القوانين، أصبحت متجاوزة في ظل الحجر الصحي الذي تعيشه بلادنا، وتعديلاها أصبح لزاما، عبر اعتماد التصويت عن بعد بطريقة الكترونية وهذا ما يعزز أيضا حضور البرلمان كمؤسسة دستورية تعمل بكل ما هو رقمي. ورغم أن مجلس المستشارين انخرط في هذه السيرورة، أي التصويت عن بعد بطريقة الكترونية، إلا أن الدستور والنظام الداخلي لا ينصان على هذه الطريقة، وبالتالي فهذه الطريقة لا تحترم القانون الدستور.

 

جائحة كورونا لم تظهر فقط أهمية الإصلاح المؤسساتي فيما يتعلق بالتصويت على القوانين، وسير العملية التشريعية برمتها، بل أظهرت كذلك أهمية نقل الجلسات العامة وخصوصا اللجان البرلمانية عبر تقنيات « المباشر » حيث عزز هذا مكانة البرلمان لدى الأمة وساهم في تقليص الهوة التي ظلت بين الطرفين، وأزال بطريقة أو بأخرى معالم الصورة النمطية التي يمتلكها المواطن عن البرلمان، عبر متابعته للنقاش الذي يدور داخل اللجان والذي يكون عادة مختلفا عن ما يسمعه المغاربة في جلسات الأسئلة الشفهية.

 

قبل أشهر كان هناك مقترح للقناة البرلمانية، تمت المصادقة عليه داخل مجلس النواب، وهو مشروع طموح بدأ المجلس في الاشتغال عليه من أجل تحقيق صورة أفضل للبرلمان لدى المغاربة، وتعزيز مكانته كذلك، غير أن هذا المشروع لا يزال عالقا بين ردهات البرلمان، وجامدا في رفوف اللجنة المعنية، في انتظار إحالته على الغرفة الثانية وصدوره بالجريدة الرسمية لخروج صرح إعلامي يغير الصورة النمطية للبرلمان لدى الأمة.

 

غير أن تواصل البرلمان لن يكون كاملا في ظل سرية اللجن، التي تؤطرها أحكام الفصل 68 من الدستور، ومقتضيات النظام الداخلي، فإن كورونا جعلت البرلمان يتواصل عبر المباشر، وأن مداخلات النواب ضمن اللجان تصل للصغير قبل الكبير، مما يعني أن المناقشة البرلمانية داخل اللجان، لها دور كبير في إعادة الثقة، في بناء علاقة جديدة بين المنتخب و الناخب، بين البرلمان والأمة، لاسيما فئة الشباب التي تتوفر على جميع الأدوات لولوج التكنولوجيات الحديثة والوسائل الرقمية.

 

تواصل البرلمان مع العامة، وحتى يكون بالشكل الأمثل، رهين بضرورة إخراج القناة البرلمانية لأرض الواقع، وتعزيز علاقة المجلس وأعضائه مع وسائل الإعلام التي تعتبر صلة وصل بين البرلمان والأمة، ورهين كذلك برفع السرية عن الجلسات، نظرا لكون هذه الأخيرة تحتوي على نقاشات غنية، تظهر في بعض الأحيان المستوى الحقيقي للبرلماني و تبين التضحية الزمنية التي يقوم بها، وتزيل صورة نمطية أصبحت أزلية في مجتمع يعيش على وقع تحول رقمي، أظهره التعايش مع فيروس كورونا، وتبين بالملموس، أن المستقبل سيكون عبارة عن تواصل افتراضي بين المؤسسات والمواطنات والمواطنين، عبر مختلف الوسائل المتاحة.

 

إن كانت كورونا أزمة حقيقية واجهها المغرب على غرار دول المعمور، فإنها أظهرت أهمية إصلاح مؤسساتي عميق على مستوى مجلسي البرلمان، يتمثل في إملاء الفراغ القانوني الذي يحرم النائب من الحضور للمجلس بسبب إجراءات الحجر الصحي وبالتالي التصويت عن بعد بطريقة رقمية، وممارسة حق من حقوقه الدستورية، وتكريس وضعيتهم الدستورية الاعتبارية لنيابتهم عن الأمة.

 

الإصلاح المؤسساتي يكمن كذلك في تواصل أمثل يعتمد بالأساس على كل ما هو رقمي، وانفتاح أكبر عبر وسائل مختلفة منها وسائط التواصل الاجتماعي، وإيصال أكبر للمعلومة البرلمانية عبر قناته التلفزية التي من الضروري أن ترى النور، بل من الضروري كذلك رفع السرية، لوجود نقاش يكون عميقا خصوصا أيام مشروع قانون المالية، ذلك أن سرية اللجان البرلمانية، تحرم البرلماني من وصول أفكاره ومقترحاته للمواطن، وتحرم هذا الأخير من تتبع نقاش يعتبر عمق العمل البرلماني اليومي وما ينص عليه الدستور أي التشريع، الرقابة والدبلوماسية الموازية.


السيد وديع تاويل، خريج جامعة محمد الخامس بالرباط في شعبتي العلوم الاقتصادية والعلوم السياسية، بعد تجربة بإدارة مجلس النواب، يشتغل وديع تاويل في مجال الصحافة منذ 6 سنوات عبر تجارب داخل مؤسسات إعلامية وطنية.